وما تدري نفس بأي ارض تموت
بالامس القريب ..دفنت والدة الاستاذ سعيد بن شيحان رحمها الله تعالى ..في المكان الذي يتمنى الكثير من المسلمين أن يدفنوا فيه ..وذلك بعد أن صلي عليها في بيت الله الحرام .. فهاهو الاجل وقد حضر لتلك الوالدة دون موعد أو انذار.. في مكان لم تكن لتخطط له ..ولكن الله تعالى قد قضى بحكمته أن تكون النهاية هناك .. وفي اطهر مكان ..انها ربوع مكة المكرمة ..في ذلك المكان الذي ليس لها فيه اقامة ..بل كان مستراحها في طريقها لزيارة ابنها ..فهي ممن لايكثر السفر والترحال ..ومع ذلك كانت لها تلك الخطوات التي أرادها الله ..ليقضي بذلك امرا كان مفعولا .
لم تكن تلك الوالدة وغيرها كثير من اهلنا واقاربنا واحبابنا .. لتنأ بهم الخطى الى اماكن بعيدة لم يألفوها ..لأسباب معلنه للملأ ..كزيارة او تنزه او علاج اوعلم او عمل .. ولكن قد نغفل احيانا عن أن هناك سر لا يعلمه سوى فاطر السموات والارض .. فالانسان قد يعيش في بلد ما جل ايام حياته ..ونراه لا يحب ان يفارق ذلك المكان لحظة واحدة ..ومع ذلك فهو لايعلم أن هناك بلد اخر ..قد يكون بعيداجدا.. ينتظره يوما ما ..ليوارى فيه جسده ..فسبحان علام الغيوب .
وها نحن اليوم يأتينا الخبر عن وفاة رجل من رجالنا ..عرفناه منذ طفولتنا بدماثة الخلق .. وصدق التعامل بنفس هينة لينة .. انه الوالد الحبيب اباسعيد غرم الله بن غازي رحمه الله تعالى .. ولعل دهشتي من مكان موته هي ما جعلني اتذكر قول الله تعالى" وماتدري نفس ماذا تكسب غدا وماتدري نفس بأي ارض تموت " ولعل بصمات ابي سعيد في هذه الحياة عامة.. وفي مجتمعنا خاصة ..هي ماجعلني اكتب هذا المقال .
فالعم غرم الله رحمه الله ..قد عرف عنه حبه وشغفه للقرية .. وهذاامر لايحتاج لدليل .. فمن يضحي ويساهم بكل ما يستطيع في بناء وتنمية مجتمعه حتى وان كان جهده محدودا.. وبامكانيات بسيطة ..لحري به أن يفتقد ..لانه ولا شك قد التحم ببيئته عاطفيا ..ولن يتخلى عنها بسهولة ابدا .
مررت هذا اليوم بالسوق ..ولفت انتباهي ذلك الكرسي الطويل المجاور لدكان العم غرم الله .. والذي كان معدا لكبار السن ..في مجلس يعد اشهر المنتديات لكبار رجالنا ..فحزنت لذلك المنظر ايما حزن ..وقد زاد من حزني أن ذلك الدكان هو اخر دكاكين السوق موتا ..وكأن ذلك الكرسي قد بقي لتلقي العزاء في اخر واشهر رواد وبناة ذلك السوق ..بعد أن تلقاها في دكاكين السوق التي كانت تموت امامه واحدا بعد الاخر .. فلم يبق في السوق كله دكانا واحدا عامرا .. فقد حل الوجوم والحزن على المكان ..فوالله لو اننا نسمع عتاب المكان لسمعنا عجبا .. ولكن من رحمة الله علينا اننا لانسمع حديث الجمادات ..فرحيل الرجال الفاعلين والاباء المباركين ..لهو أكبر خسارة تمنى بها المجتمعات .
لقد عرفت أبا سعيد وانا طفل صغير .. في وقت كان رجال القرية هم من يشيد بناءها ..فمنهم البناء والحداد والنجار والكهربائي والعامل والتاجر المتخصص .
اذكر اول معرفتي بأبي سعيد ..عندما كنت أمر بجوار بيت بن مسمار ( المستوصف سابقا ) اثناء عمارته..حيث كنت ارى العم غرم الله بلباس العامل النشيط .. وهو يتولى خلطة الخرسانة بنفسه .. وقد غاصت قدماه فيها .. وهو يلبس حذاء غريبا كنا نتعجب منه .. انه حذاء الخلطة الذي يغطي القدمين والساقين كاملة ..وعلى سواعده ووجهه قد علقت بعض اللبخات الاسمنتيه .
كنت لااعرفه شخصيا .. وكنت استغرب أنه كلما يراني يناديني باسمي ..ولكن باللهجة اليمنية .. وذلك مما كان يغيضني .. الى أن اخبرني والدي رحمه الله تعالى .. بان ذلك الرجل انما هو غرم الله بن غازي ..احد رجال الجماعة ..وهو يحب ان يمازحك فلا تغضب عليه.. فأصبحت بعد ذلك اذهب متعمدا لاجلس بالقرب منه ..مستمتعا بمشاهدة ذلك العمل .. والذي لا يخلو من احاديث وزملة تدخل السرور على النفس .
لم يكن مستغربا ابدا في ذلك الوقت وجود العم غرم الله او غيرة من الجماعة في ذلك العمل .. لان الكثير من رجال القرية كان ذلك ديدنهم ..فحياتهم مليئة بالحيوية والنشاط ..فلاوقت للكسل ولامكان للكسالى بينهم.. ولذلك كان ابو سعيد رحمه الله تعالى يتنقل عبر مراحل حياته في اعمال مختلفة .. وقد ضرب في كل فن من فنون التجارة والاعمال بسهم ..حتى غدى اسمه كماركة تجارية يصعب منافستها ..فاللوز والعسل والسمن اذا لم تكن من عند ابي سعيد او عن طريقه ..فان الثقة في المنتج ستهتز ولا شك.. بل إنه لم يكتف رحمه الله تعالى بذلك ..بل حاول جاهدا في توفير ما يحتاجه الناس من ادوات والات زراعية كان الناس يضطرون للسفرلجلبها .
رحمك الله يا ابا سعيد فقد رحلت بعد أن وضعت بصمتك في مجتمعنا .. إنها بصمة لا يمكننا أن ننساها أو نتناساها .. فقد كنت على ثغرة كنا في حاجة لسدها .. فكنت ونشهد الله على انك قد احسنت القيام بها
رحمك الله يا ابا سعيد فقد كنت ممن عشق القرية .. وقدم لها ولاهلها ما في وسعه ..فقد شاهدناك رغم مرضك ..تحضر محافلنا ..وتعزي في فقيدنا .. في وقت كنت في حاجة ماسة الى الراحة .. ولكنها همة الرجال التي لا يكاد يحملها الا امثالك ..ممن يحمل بين جنبيه ذلك الحب ..وهذا ما نعرفه عنك .
فلقد عرفناك محبا لجماعتك .. ولقريتك .. ولمن تعامل معك ..البعيد منهم قبل القريب .. نعم لقد أحببت هذه الارض وأحبتك ..ولكن ارادة الله أبت الا أن تقبض روحك ويدفن جسدك بعيدا عنها رغم أنك قد نشأت وترعرعت فيها .. وقدمت لها كل ما تستطيع من بذل وحب وتضحية ..وبعيدا عن كثير ممن احبوك .. فكان قضاء الله وقدره أن تحرم تلك الارض من أن تضم جسدا كان منها بالأمس ..ملء السمع والبصر .
فجزاك الله عنا كل خير .. واسكنك فسيح جناته.. والهم اهلك وذويك الصبر والسلوان .
علي بن سعد ساعد الزهراني
الاطاوله الجمعة 6/3/1431هـ