خطرت لي فكرة هذا الموضوع
وانا اشارك في وداع الاستاذ احمد بن جمعان الزهراني رحمه الله تعالى
حيث دفن بعد ظهر اليوم الاربعاءالموافق 30/2/1430هـ بقرية بني محمد
ها أنا ذا وقد عدت بعد ان وقفت علي شفير قبرك اودعك الوداع الاخير في هذه الدنيا .. نعم عدت يا ابا سعد الى المكان الذي التقينا فيه اخرمرة قبل موتك ... عدت لاسأل مكتبي وجدرانه .. واسأل المقعد الذي اجلستك فيه عندما زرتني قبل ايام ... نعم عدت لاسالها .. فقد علموا ان تلك الزيارة هي الاولى ...فهل شعروا ايضا انها الاخيرة لابي سعد .. رغم حماسه وحرصه وفرحته ووعده بتكرار الزيارة ... هل علموا انه لن يعود ثانية الينا ...لم يجبني احد ... وساد الصمت الكئيب على المكان .
رحمك الله يا أبا سعد ... والهم ذويك الصبر والسلوان على فراقك ... لقد احرق فؤادي خبر وفاتك ... ليس جزعا ولا اعتراضا على اقدار الله ... فلكل منا ساعة لن يتجاوزها ولن يسبقها ... ولكني اقول هذا الكلام لتقصيري في فهم رسالتك التي اوصلتها الي عند زيارتك لي ... وتفريطي في اجر كبير كنا سنناله سويا... ولكنني وبكل اسف ابيت ... فها انت قد استأثرت به عني ... ولوحدك ... فهنيئا لك ما حصدت ... ودعني لتفريطي اعض اصابع الندم الذي قد يمتد بي زمنا طويلا .
لقد زارني ابو سعد ...في مكتبي اول ما علم عنه ... مهنئيا معتذرا عن تأخره في الزيارة ... لعدم علمه بانني صاحب هذا المكان ... اتاني وفي جعبته الكثير من الذكريات ... والكثير من العتب على تقصيرنا في مواصلة بعضنا ... فعلاقتنا ليست مجرد سؤال عن الحال كلما التقينا في طريق ... انها علاقة اسمى وارقى من ذلك ... انها تحتاج الى تطبيق عملي ..كفعل عبد الله بن عمر حيث" كان إذا خرج إلى مكة كان له حمار يتروح عليه إذا ملّ ركوب الراحلة ، وعمامة يشد بها رأسه فبينا هو يوماً على ذلك الحمار إذ مر به أعرابي ، فقال : ألست ابن فلان ابن فلان ؟ قال بلى . فأعطاه الحمار ، فقال : اركب هذا ، وأعطاه العمامة وقال : اشدد بها رأسك ، فقال له بعض أصحابه : غفر الله لك ! أعطيت هذا الأعرابي حماراً كنت تروح عليه ، وعمامة كنت تشد بها رأسك ؟ فقال ؟ : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولى)) وإن أباه كان صديقاً لعمر رضي الله عنه ."
"ما اوسع رحمة الله عز وجل فالبر بابه واسع لا يختص بالوالد والأم فقط ؛ بل حتى أصدقاء الوالد وأصدقاء الأم ، إذا أحسنت إليهم فإنما بررت والديك فتثاب ثواب البار بوالديه .
وهذه من نعمة الله عز وجل ، أن وسع لعباده أبواب الخير وكثرها لهم ، حتى يلجوا فيها من كل جانب ، نسأل الله تعالى أن يجعلنا والمسلمين من البررة ، إنه جواد كريم ."
استعرضنا خلال الزيارة سيرة ابوينا رحمهم الله تعالى ... كان ابو سعد يذكر الكثير عن تلك الصداقة بينهما... ولكني لصغري آن ذاك ...لا اتذكر الا القليل... فيمر في ذاكرتي العم جمعان رحمه الله كل صباح وهو يداعبني ... فقد اعتاد ان يتناول قهوته وفطوره مع والدي ... وهو في طريقه لعمله ... وكذلك في عودته ... وقد يتناول العشاء معنا ... وقد يؤ ثر ان ينام عندنا ليكون اقرب للمكان الذي يعمل فيه ... اتذكر انني كنت استبشر بوقت مروره علينا ...حتى انني كنت استقبله في أول الطريق .
سألت ابي يوما قبيل وفاته رحمه الله ... ماسر تلك الصداقة التي الى الان لاتزال عالقة في ذاكرتك ... رغم مضي اكثر من اربعين سنة على وفاة صديقك ... بل لازالت عالقة في ذاكرتي انا ... رغم اني كنت وقتها طفلا صغيرا ... ونحن الى اليوم اذا اطلق اسم جمعان في بيتنا... تبادر الى اذهاننا العم جمعان بن عبد الله رحمه الله ... رغم اننا محاطين وفي حارتنا بالذات بكثير ممن اسمهم جمعان ... فكان يجيبني والدي بقوله : يابني الارواح جنود مجندة... قد تكون ارواحنا وقلوبنا هي صاحبة الشأن ... فالاجساد تفنى والارواح تلتقي والقلوب مخازن لصدق المشاعر ... لقد كنا يابني نلتقي في كثير من الصفات ... وكأننا روح في جسدين
ختم ابو سعد زيارته لي بطلب كريم ...وبإصرار غريب ...على أن البي طلبه بزيارتهم ومعي العائلة ...معللا حرصه ذلك باعتبارها صلة وبرا بأبوينا رحمهم الله ... ولكنني كعادة المحرومين اعتذرت ...وطلبت ان تؤجل في وقت اكثر سعة.
معذرة ابا سعد ... فكلي تقديرلك ولخطوتك ... فانا لم أكن اعلم ابدا ان تلك الزيارة التي ودعتك فيها... مكبرا فيك تلك الزيارة التي اسعدتني غاية السعادة ...وقد سرت في وداعك حتى ركبت سيارتك ... يحدوني شعور غريب ... فلم يسبق لي ان ودعت زائرا بمثل ما ودعتك ... فكأني ارغب في بقائك معي اكثر وأكثر ...لم اكن اعلم بان السر في ذلك التعلق ... ان تلك النظرة هي النظرة الاخيرة.
معذرة ابا سعد ... فانا لم اكن اعلم انك في تلك الزيارة ... قد اتيت لتودعني الوداع الاخير.
معذرة فأنالم اعلم ايضا ...انك اتيت لتقول لي : انك مغادر بعد ايام قليلة ... لتطلب مني اجابة على تساؤلك الذي لم تفصح به ... ماذا سأقول لابوينا عند استقبالهم لي غدا اوبعد غد .. هل اقول لهما اننا قد نسينا مع زحمة الحياة تلك المودة والمحبه التي كانت بينكما... هل افول لهما ان صداقتكما اطفئت بموتكما ... ام ماذا عساني ان اقول لهما .
فأقول اطمئن يا اباسعد ... فانت قد اديت الذي عليك ...ويكفيك تلك النية التي عرضتها علي في زيارتك ... فانت الى خير وعلى خير ... والاعمال بالنيات ... وإن من عظيم أمر النيّة ... أنه قد يبلغ العبد منازل الأبرار ، ويكتب له ثواب أعمال عظيمة لم يعملها ، وذلك بالنيّة .
قل لهما يا أبا سعد ... اننا لازلنا على العهد ... وان حالت الايام ومشاغل الدنيا بين تزاورنا ...
قل لهما ان صداقتهما لازالت راسخة في اذهاننا وان ارواحنا وقلوبنا لازالت تعيش على ذكراها
قل لهما لم يعد زماننا كزمانهم ... فلم نعد نطمع في تزاور ابناء الصديقين بعد موتهما ...فأن ذلك في زماننا اصبح ضربا من الخيال ... بل لم نعد نطمع في تواصل الاصدقاء انفسهم ... فالامر اصبح اشد خطورة مما يتخيلون .
قل لهما ان القريب في زماننا... قد قطع قريبه ... والاخ قطع اخاه
قل لهما ياابا سعد ...وبحرص شديد حتى لاتكدر عليهما صفوهما ... اننا نعيش في كارثة لولا لطف الله بنا ... فالاولاد والاباء ايضا قد طالهم الوباء ... فقد قطعوا مابينهم من صلة .
واذا رائيت فيهم ياابا سعد ... بقية من تلهف لاخبارنا ...ولااظنهم سيحرصون بعد هذا ... فقل لهما وباسلوبك التربوي الذي نعرفه عنك ... ان تلك الامطار والسيول ...التي كانت تجبر والدك في كثير من الايام والليالي ...للبقاء في منزل صديقه... رغم قصر المسافة بين القريتين ...وان ذلك البرق الذي كان يخطف الابصار ... وتلك الرعود التي كانت لاتكاد تنقطع عن مسامعهم صبح مساء ...بأنها قد اصبحت جزأ من حكاياتنا لاطفالنا ... عن الماضي الجميل .
واذا سألوك ياابا سعد... لماذا كل هذا ... اتغير الدهر بكم ... فقل لهمالم يتغير شيء ... فالرزاق موجود وخزائنه ملأى ولكن ظهر الفساد في البروالبحر بما كسبت ايدي الناس .
واذا رائيت علامات التعجب بادية على وجوههم يا اباسعد ... فذكرهم عندما كانا يقتسمان اللقمة الواحدة بنفس راضيه ... ذكرهم ذلك الموقف الذي ذكرته لك عند زيارتك لي... مما روته لي والدتي متعها الله بالصحة والعافية ...حين جأءهم ضيف ... فلم يجدوا ما يقدموه له ...سوى الخبزة المعتادة وما يسمى بمرقة الهواء ... التي تعرفها اغلب الاسر ذلك الوقت ...ولم تكن بمستغربة ان تقدم كل يوم لقلة ذات اليد لدى عموم الناس ... فما كان من والدك رحمه الله الا أن انطلق الى بيته في جنح الظلام ... ليعود بمطبقية كبيرة مملوءة بالسمن البري والعسل ...
ذكرهم يا ابا سعد... بتلك الحميمية التي كانت بينهم ...رغم انهم لا يمتون لبعضهم بصلة قرابة اورحم ... وقل لهم يا ابا سعد ان كنتم قد تقاسمتم اللقمة ... فنحن من بعدكم قد تقاتلنا وتقاطعنا... ليس من اجل اللقمة التي تعرفون ... وكنتم تعتقدون انها مكفولة لكم من الرزاق ... ولكنها لقمة من نوع اخر ... لقمة لا تسمن ولا تغني من جوع ...لقمة كلما استقرت في اجوافنا طلبت لقمة اكبر ...حتى اعجزتنا الحركة من غير ما شبع ... لقد تنازعنا الدنيا فيما بيننا ... فكل يقول هل من مزيد ... لقد اشتد بنا التنافس اينا يملك اكثر من اخيه ... واينا يشبع وليس جاره الجائع فقط بل الجياع هم امه وابيه واخوته